Posts tagged ‘أحمد بن عبد الرحمن العرفج ، الإرجاء ، العلمانية’

العلاقة بين العلمانية والإرجاء

رسالة إلى عرفج

العلاقة بين العلمانية والإرجاء

يبعثها

فؤاد بن عبده أبو الغيث

من المعلوم في الثقافة العامة أن موقف العلمانية بالنسبة إلى الإيمان بالله ينقسم  قسمين : علمانية ملحدة ، وعلمانية مؤمنة ، وقد كتب أحد الكُتَّاب بـ( الحبر الأصفر ) في ملحق الأربعاء 4/4/1424هـ مقالاً يؤكد فيه خطأ الربط بين العلمانية والإلحاد ، ويقرر أن العلمانية لا تتنافى مع الدين ، لكنْ – بسكون النون – هناك أمر أساسي (غائب) عن هذه الأطروحات ، وهو بيان معنى الدين ، ومسمى الإيمان الذي تتصف به العلمانية المؤمنة .

والمقصود هنا بيان هذا الأمر حتى ينكشف ( الوجه الغائب ) الحقيقي (للعلمانية ) المؤمنة ، وذلك أن الإيمان الذي تتصف به هو مجرد معرفة الله ، وهذا ليس إيماناً شرعياً صحيحاً و إلا لكان فرعون وإبليس مؤمنَين ؛ لأنهما يعرفان الله ، وإن كانت معرفتهما ليست معرفة تامة … وهكذا من عرف الله بالخلق ولم يعرفه بالأمر ، ومن عرفه بالأولية ولم يعرفه بالحكمة ، ومن عرفه بالقدرة ولم يعرفه بالعلم والإرادة …

فمن لم يعرف الله بالحكم فليس بمؤمن ، كما قال الله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) (سورة المائدة:44) ، وقال : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ) (سورة النساء : 60-61) . والمراد بالطاغوت هنا كل حاكم يحكم بخلاف الكتاب والسنة مستحلاً لذلك ، وإن اعتقد أن حكم الله ورسوله أعدل وأفضل ، فكيف إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكمه وهدي غير النبي صلى الله عليه وسلم خير من هديه ؟‍‍!

لكن العلمانيين ذهبوا عن هذه الآيات بعيداً فأنكروا أن يكون للإسلام في سياسة الأمة وشؤونها حكم وتدبير أصلاً … رغم أن الإسلام تناول جميع شؤون الحياة ، كما قال تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) (سورة الأنعام :162). و قد حَكَم الإسلام في أمور أهون من سياسة الناس ، فهل يعقل أن يتركها لأهوائهم ؟

        وماذا يعمل العلمانيون في مثل قوله تعالى : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ) (سورة النساء: 105) ، وقوله تعالى : ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم ) (سورة المائدة :49) ، وقوله : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) (سورة النساء :65).

           وإذا نظرنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجده كان يحكم فيما شجر بين الناس ،ويقيم الحدود والزواجر على من يجني على نفس أو مال أو عرض أو عقل ، ويجمع المال من حيث أمره الله ، وينفقه في وجوه المصالح وإسعاد ذوي الحاجة ، ويتولى عقد التحالف والمعاهدات والصلح وإعلان الحرب ، ويدير أمرها ، ويرسم لها الخطط مع المشاورة في هذا السبيل والأخذ بأرجح الآراء ؛ فكيف يُنْكر أن يكون للإسلام في سياسة الأمة وشؤونها حكم أو تدبير ؟‍‍‍! ) أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض ) (سورة البقرة :85) ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) (سورة البقرة :208) .

وأما حديث ” أنتم أعلم بأمور دنياكم ” عند مسلم ؛ فإنه وارد في واقعة تأبـير النخل، ويجري فيما يشبه ذلك من شؤون الزراعة والصنائع وغيرها من وسائل العمران المادية التي لم تجئ الشريعة بتعليمها ،وإنما تجئ لبيان أحكامها من حل وحرمة ، وصحة وفساد ، ونحو ذلك ، كما يعلم ذلك كل من له صلة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم عن تأبير النخل وتلقيحه ( ما أظن يغني ذلك شيئاً ) و( لعلكم لولم تفعلوا كان خيراً ) – لم يقل النبي ذلك – على سبيل التشريع . بل كان ظناً ورأياً رآه ، ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعاش وظنه كغيره فلا يمتنع وقوع الخطأ فيه ، ولا نقص في ذلك ،كما قال العلماء …

لقد رسم العرفج ( الوجه الغائب للعلمانية ) بـ( حبر أصفر ) باهت جداً لا يكاد يرى حيث استشهد لرؤيته بدعاوى مجردة لم يبرهن عليها أصحابها بالبيِّنات ، أو أنهم أقاموا عليها بينات ،ولكنه لم يذكرها اكتفاء بوصف أصحابها بـ( الراسخين في العلم ) ، لكن ذلك لا يشفع لها بالقبول ؛ لأن الحق يعرف بدليله لا بقائله … ومن تلك الدعاوى الغامضة ما نقله عن صاحب كتاب ( السياسة بين الحلال والحرام ) عندما قال : ( وقد لا تكون [يعني العلمانية] بذاك الشر الذي يزعمه البعض ، وهي ليست كذلك حين أخذ متغيرات معينة ، وظروف محددة في الاعتبار ) .

ومنها قول العرفج نفسه : ( ولم يستطع أحد من الباحثين الشاتمين للعلمانية أن يربط بطريقة سليمة ونظيفة بين العلمانية والإلحاد ، أو بينها وبين المروق والتجاوز ، أو على الأقل فصل الدين عن الدولة ..) وهكذا بمثل هذا الكلام الفارغ والأسطر الخالية من العلم يقيِّم الكاتب رسائل علمية وجامعية بعضها يقع في أكثر من سبعمائة صفحة …

ولقد قدَّم لنا العرفج صورة وجه بلا خلفيَّة إذ قفز إلى النتائج بلا مقدمات ، فالشواهد التي اعتمد عليها لرسمه مبنية على سوابق من الطعن في حجية السنة والإجماع وفهم السلف الصالح وثبات الشريعة وشمولها. بل ربما وصل الأمر إلى التشكيك في القرآن الكريم بالقول بخلقه وأنه ليس كلام الله ، وبالتالي يمكن أن يخضع للنقد …

والحاصل أن ( الوجه الغائب للعلمانية ) هو أن العلمانية لا تعني فصل الدين عن الدولة ؛ ( لعدم وجود نظام سياسي ديني في الإسلام ) أصلاً، و( إنما هي أفكار بشرية بحتة مغطاة برداء القداسة للوصول إلى أهداف خاصة )؛ ولذلك فإن دعاة العلمانية – كما يقول أحد الباحثين الذين استشهد بهم العرفج – يرون أن أسس الدولة العلمانية تقوم على المساواة والحرية والعدل وتحقيق المصلحة والالتزام بحقوق الإنسان وكرامة الفرد .. ( وكل هذه المطالب التي يدعو لها العلمانيون ، ليس فيها ما يخالف في أن يكون الإنسان مسلماً ملتزماً بعقيدته ، وينهج نهجاً علمانياً ) .

بهذه المغالطة انتهى العرفج من عرض ( الوجه الغائب للعلمانية ) ، وهي مما يصدق فيه قول القائل ( كلمة حق أريد بها باطل ) ؛ ولذلك يتحاشى العرفج وغيره ذكر لَبِنَات هذه الأسس وتطبيقاتها وفروعها ؛ مثل : قضايا المرأة ، والحرية المطلقة وحرية الردة عن الإسلام ؛ فالردة عن الإسلام – مثلاً – ليست بأمر منكر في نظر بعضهم لاعتقاده أن علاقة الإنسان بالله مسألة شخصية ذهنية ثابتة لا ترتبط بأخلاقه وحركة حياته ، كما يعتقد غلاة المرجئة ،ولذلك يقول طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر ) :        ( و لعل الاختلاف بين المسلمين والأقباط في الدين أن يكون أشبه بهذا الاختلاف الذي يكون بين الأنغام الموسيقية فهو لا يفسد وحدة اللحن ) .

05/07/2009 at 5:34 م أضف تعليقاً


استفتاء

التصنيفات

الموضوعات والكلمات الدليلية

أحكام الغضب ، قتل ، الغضبان ، إغلاق العقل أحمد بن عبد الرحمن العرفج ، الإرجاء ، العلمانية أزمة العقل ، طه إبراهيم ، فكر ، أصول فقه أقوال ذوي العرفان في أن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان أنس زاهد ، أسباب الكوارث إسماعيل الأنصاري ، الإجازة في الحديث ، رواية الحديث ، الألباني الألباني ، نقد الحديث ، أسعد تيم ، كتاب فضل الصلاة على النبي ، إسماعيل الجهضمي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاجتهاد ، اختلاف العلماء ، فقه النوازل الباء الحضرمية ، الحضارم ، حضرموت ، أصل الباء الحضرمية التأسيس في فن دراسة الأسانيد ، عمر إيمان أبو بكر التطور ، المستقبل ، الخيال العلمي التوسل بجاه النبي ، الجفري ، عبد الله بن عبد الرحمن الشافعي الردة ، المرتد ، الإكراه الزيدية ، علوم الحديث عند الزيدية العبث بالتراث ، كامل عويضة ، مكتبة نزار مصطفى الباز العقل ، فلسفة ، معتزلة ، تكفير ، يوسف أبا الخيل الغماري الفرق بين المجاهرة بالمعصية والاعتراف بالخطأ الفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في نقد الحديث المجاهرة بالمعصية المهدي المنتظر ، المهدي ، أحاديث المهدي النسبية ، التغير ، الشك ، نسبية الحقيقة ، الديمقراطية الوهابية ، عبد الله فراج الشريف ، اختلاف الفرق تحقيق التراث ، أحمد شاغف الباكستاني ، التعليقات المفيدة على الكتب العديدة توظيف المحرم ، سليمان حريتاني جامع الترمذي ، عداب محمود الحمش ، مناهج المحدثين ، حسن صحيح ، حديث غريب ، حديث جيد حديث الطير ، أحاديث الشيعة حقوق الزوجة ، الزوج ، الزوجية ، العشرة الزوجية ، المعاشرة بالمعرف حقيقة الإيمان عند الشيخ الألباني ، أبو رحيم ، علاقة عمل الجوارح بمسمى الإيمان ضوابط قبول عنعنة المدلس ، عبد الرزاق خليفة الشايجي ، التدليس طاعة الزوج عبد الله بن محمد العلويط عقد مقاولة بناء علاقة عمل الجوارح بالإيمان ، حقيقة الإيمان ، شرط كمال ، شرط صحة غض البصر ، الغيرة قواعد في بيان حقيقة الإيمان قواعد في علوم الحديث ، التهانوي ، أبو غدة كتاب الفتن لنعيم بن حماد مجلة المعرفة ، علمي أدبي ، حفظ ، فهم ، ذكاء ، قدرات عقلية ، تعريب العلوم مرسول الحب ، العين ، نجيب يماني ، الحجاب مستقبل العلم ، محيرات ، ظواهر خارقة مشاري الذايدي ، التخلف ، التقدم نجيب عصام يماني ، العورة ، حجاب المرأة ، كشف الوجه وحدة اليمن
Watch videos at Vodpod.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.