Posts tagged ‘أزمة العقل ، طه إبراهيم ، فكر ، أصول فقه’
قراءة نقدية لكتاب ” مساهمة في حل أزمة العقل العربي المسلم “
قراءة نقدية لكتاب ” مساهمة في حل أزمة العقل العربي المسلم “
تأليف : طه إبراهيم محمد عبدالله
قراءة : فؤاد ابن أبي الغيث
1 – لا يعتقد المؤلف أن القرآن كلام الله ، وأنه من عند الله بهذا المعنى . بل يعتقد أنه مخلوق ، كما صرح بذلك ص 259حيث قال : ” إن الحق جعل الفكر القرآني ليس فقط إنسانياً بل وفي إطار إنسانيته جعله عربياً ، وأنزله بلسان عربي ” . وقال ص 184 مشيراً إلى قوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ) : ” جعلناه تعني خلقناه أو صنعناه ” .
ولذلك يقول ص8 : ” القرآن كفكر مثله مثل أي فكر له منطقه الذي لا يختلف في عمومياته منطق أي فكر .
وعندما نتعرف على طبيعة الفكر القرآني فإننا لن نجده فقط يتسم بخصائص الفكر البشري ومنطقه بل إنه يتبوأ موقعاً متقدماً في مناهج الفكر ” .
ويقول ص 179 : ” والفرد البشري لا يمكن أن يفهم كيف يفكر الله أو طبيعة فكر الله ومنطقه ، فهذا فوق طاقة العقل البشري مهما سما وارتقى واتقى ، وهذا إذا جاز القول ، وهو غير جائز ، أن الله يفكر ، فالله قدرة مطلقة ، فإذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون ، ومن ملامح قدرته الحركة الدائمة فهو( كل يوم هو في شأن )،ولهذا فإن الأنبياء خوطبوا بفكر جعل للبشر “.
وفي هذا تكذيب للقرآن حيث قال الله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) .
وقد أجمع المسلمون على أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق إلا جهم بن صفوان ومن تبعه ؛ فإنه قال : ما كلم الله موسى تكليماً ، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلاً .
أما قوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآناً عربياً ) فيعني : قلناه وتكلمنا به وأنزلناه ، و هذا الموضع مما بينه أئمة السنة كالإمام أحمد و غيره فتكلم فى ( الرد على الجهمية ) على قوله : ( إنا جعلناه قرآناً عربياً )، و بيَّن أن الجعل من الله قد يكون خلقاً كقوله : ( وجعل الظلمات و النور )، وقد يكون فعلاً ليس بخلق ، و قوله ( إنا جعلناه قرآناً عربياً ) من هذا الباب .
كما أن كلام المؤلف يخالف قوله تعالى : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) وهو يشمل الألفاظ والمعاني التي يسميها المؤلف فكراً .
وقال تعالى: ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
ويلاحظ أن المؤلف لم يقل في آية واحدة مما أورده في كتابه من آيات القرآن العظيم (قال الله تعالى) .
2 – يعتقد المؤلف -كما في ص 204 – ” أن الادعاء بأن كل أفعال الإنسان وما حصل عليه من معرفة وعلم في عالم الشهادة هي أمور خاضعة أو ناتجة من مشيئة الله يرقى إلى مزايدة قبيحة على الله سبحانه وتعالى ، والذي يقول بوضوح إنها أفعال أو معتقدات ناتجة من استخدام الإنسان لمشيئته و إرادته ، أو ناتجة عن عجزه في توظيف أدوات المعرفة التي ركبت فيه … ” إلى أن قال : ” وأخطر ما يجب أن ينبه إليه الإنسان أن ذلك ينطبق على أمور حياته اليومية في سعيه لمأكله ومشربه وتعليمه ومواصلاته وتعاملاته الاجتماعية ففيها جميعاً يكون هو وحده المسئول عن النجاح أو الفشل ولا دخل للمشيئة الإلهية في هذا المجال ” .
وقال ص202 : ” فالإنسان صاحب مشيئة حرة وهو مسئول عن أفعاله ومعتقداته ” .
وهو بهذا الكلام يخالف قول الله تعالى: ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) أي ليست المشيئة موكولة إليكم ، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل ، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله عزوجل رب العالمين . وهذا لا ينافي أن يكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله ومعتقداته كما يعتقد المؤلف …
وقد أشار إلى مثل هذه الآية بقوله ص 210 : ” وإن وجدت آية تقول ، بخلاف ذلك فإنها قطعاً من المتشابهات التي يجب إغفالها ” .
وقال ص 203 : ” فالله يقرر : لا الشرك ولا الإيمان من مشيئته إنها مشيئة الإنسان : ( ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل ) .
( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) .
(يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه …) فالله سبحانه يعلن أن مشيئته لا تدخل لها فيما فعل هؤلاء الأقوام ،وإنما هي مشيئتهم التي يتحملون مسئولية ممارستها ” .
وليس المعنى في هذه الآيات ما فهمه المؤلف بل المعنى أنه لو شاء الله ما أشركوا ولكنه شاء أن يشركوا أي أنه شاء ذلك قدراً وكوناً فوقع . فليس في الآية أنهم أشركوا رغم أنه لم يشأ ذلك قدراً .
وكذلك قوله : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) أي لو شاء ذلك لوقع ، ولكنه شاء أن لا يجمعهم عل الهدى – أي قدراً وكوناً – فوقع …
وكذلك قوله :( ولو شاء ربك ما فعلوه …) أي لكنه شاء أن يفعلوه فوقع ؛ فهو بمشيئته ، فله المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ففي الآيات التي أوردها المؤلف أمور لم تقع ؛ لأن الله لم يشأ أن تقع ، وليس فيها أنه يمكن أن يقع شيء بغير مشيئة الله … فما فهمه المؤلف يخالف ما دلت عليه آيات كثيرة في هذا الباب كقوله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ؛ إلا أن يشاء الله ) ، وقوله : ( الله خالق كل شيء )، وقوله: (والله خلقكم وما تعملون ) .
والأدلة الشرعية في هذا الباب مما يفهم معناه ، ويمكن إدراكه بتدبر وتأمل وليست من المتشابهات .
3 – يرى المؤلف أن سبب أزمة العقل العربي المسلم: الاعتقاد بأن الشريعة المنصوص عليها في القرآن صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ؛ على اعتبار أن صلاحية النص للتطبيق هو وروده بسند قطعي ودلالة قطعية .
فأراد المؤلف بهذا الكتاب أن يبطل هذا الاعتقاد ، ويقرر أن الشريعة المنصوص عليها في القرآن ليست صالحة لكل زمان ومكان ،وتحديداً لهذا الزمان ،وأن اعتقاد أن الشريعة ليست صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ليس ردة ولا خروجاً من الملة ؛ لأن الشريعة الواردة في القرآن ليست عامة ، وليست مقصودة بنصها على وجه التفصيل ، بل المقصود استخلاص الفكر القرآني – الذي لا يختلف عن الفكر البشري ولكنه يتبوأ موقعاً متقدماً في مناهج الفكر – والتعرف على قواعد المنطق القرآني وآلياته – التي تدور على سقوط التكليف وعدم إلزاميته إن ظهر أنه ليس في وسع المكلفين ، والنسخ وفق تغيرات الوسع ، ونسبية القيم والتكاليف . أي أنه ليس ثمة حكم ثابت إطلاقاً .
وقد توصل المؤلف إلى هذه النتائج باستخدام منطق الفكر القرآني الذي يقوم أساساً على النظرية القرآنية للمعرفة البشرية – أن مصدر المعرفة هو هذا الكون ، وأن المعرفة يتم الحصول عليها بواسطة جهاز معرفي مكون من الحواس والعقل ، ومعيار صحة أو صدق أو جدوى أو ملاءمة أو منفعة المعرفة أو صلاحيتها للغرض الذي بلورت من أجله هو اختبارها في الواقع بالتجربة والتعامل مع نتائج التجربة بمزيد من الفروض ومزيد من التجريب بحثاً عما يكذب الفرض أو يدعمه بمزيد من الصدق – ويختلف منطق الفكر عن علم ومنطق اللغة العربية ، كما يرى المؤلف ، وقد جعل بيان ذلك مقدمة ، ثم بيَّن كيف يمكن أن تحدث كوارث معرفية – من وجهة نظره – إن قمنا بتشغيل العقل البشري في مجال إنتاج الفكر والمعرفة بقواعد علم ومنطق اللغة كما فعل علماء أصول الفقه .
ويؤكد المؤلف في ص295 : ” أن ركائز الفكر الذي بلور بأدوات أصول الفقه لا علاقة لها بالفكر القرآني ، بل إنها أتت كنقيض لذلك الفكر ، وكمصادرة لمنهجه “.
ويقول ص300 : “وقناعتي راسخة بأن هذا العلم [ يعني علم أصول الفقه ] هو أحد الأسباب الرئيسية في جمود وتخلف الأمة العربية ، وإذا ظل سائداً فإن التخلف والعجز سيظل مضروباً على الأمة ، وستستمر مهمشة ، ومستهلكة ، وغيرها قادرة على المساهمة في الحضارة الإنسانية الراهنة التي تتطور وينتج فيها الجديد كل ثانية من الزمن ؟ ونحن فاغرين أفواهنا إزاء هذا الإعجاز العلمي والتكنولوجي الذي يبتدعه البشر كل لحظة وكل يوم . “
و يمكن مناقشة ما أورده المؤلف بما يلي :
أ- في حديثه عن نشأة اللغة خلص ص23 إلى: ” أن اللغة علم أنشأه الإنسان بتخصيص أصواته عشوائياً لتدل على معان ، وعلى علامات وعلى حركة وعلى مشاهدات وغيبيات إلخ …” وحجته في ذلك أقرب إلى الخيال منها إلى البحث العلمي ، يقول ماريو باي في كتابه ( لغات البشر ) : ” ففيما يختص بنشأة اللغة وطبيعتها ، لدينا مصادر تعتمد على الأساطير والحديث المنقول والمناقشات الفلسفية ،ولكن تنقصنا الحقائق العلمية ” ؛ ولذلك قررت الجمعية اللغوية في باريس عدم مناقشة هذا الموضوع نهائياً أو قبول أي بحث فيه لعرضه في جلستها . (ينظر : علم اللغة لحاتم الضامن ص95) .
ب- حجته الأخرى – غير قضية اختلاف النشأة – على الفرق بين اللغة والفكر أن “جميعنا مر بالتجربة التي ينطق فيها أو يكتب جملة ، ثم يتوقف إذ يدرك أنها لم تكن بشكل محدد؛ تقول ما قصد أن يقوله ، فالإحساس بهذا الشعور يؤكد أنه يوجد اختلاف بين ما نقصد أن نقوله وبين ما قلناه ، بل يحدث أحياناً أن لا يجد الإنسان أي كلمات تنقل فكره بدقة ” .
وفي هذا الكلام الذي نقله حجة عليه ؛ لأنه يؤكد أن الفكر واللغة متطابقان في الأصل ، وأن اختلافهما استثناء…
وسائر نقوله في هذه المسألة تشير إلى الفرق بين الفكر والألفاظ المفردات ، ولا يظهر منها الفرق بين الفكر والجُمل … ولم ينبه المؤلف إلى المراد باللغة في تلك النقولات ، وهي تطلق ويراد بها المفردات أو الجمل أو هذه وهذه .
كما أنه في قوله بأن معيار صلاحية أو إلزامية النص للتطبيق هو تصديق الواقع للنص أو القانون أو الفكرة أو النظرية ؛ لم يفرق بين الخبر والإنشاء ، وبين الفكر والتكليف أو الشريعة .
ج- في إجابة المؤلف على السؤال عن : كيف يتكوَّن الفكر ؟ استعرض جملة من النظريات التي طرحت للإجابة على هذا السؤال ، ويلاحظ أنها – كلها – تحصر الاستدلال العقلي في منهج معين ، ولا تشير إلى غيره أو تفترض الجمع والتنوع ، كما أنه حصر المعرفة في مصدر واحد هو عالم الشهادة ، وأن المعرفة يتم الحصول عليها بواسطة جهاز معرفي مكوَّن من الحواس و العقل . و قد نسب هذا إلى القرآن رغم أن الله سبحانه وتعالى أخبر في القرآن الكريم بموجودات عالم الغيب ؛ كالملائكة والجن والعرش والجنة والنار ، و أخبر أن لها علاقة و تأثيراً في عالم الشهادة …
و يبدو أن المؤلف لا يؤمن بالغيب إلا أنه يؤمن بوجود الله .
د- العقل لا يستقل – دائماً – بإدراك المصالح والمفاسد ، ومهمته الفهم والتطبيق واكتشاف المعاني الشرعية ،وليس من مهمته إنشاء الحكم ولا تغييره ولا تبديله ، والقياس منهج شرعي لا مسلك عقلي .
هـ – قد أخبر الله سبحانه وتعالى بعموم الشريعة وثباتها وشمولها ، كما قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، وقال تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراًَ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، وقال تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) ، وقال تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) ، وقال تعالى عن القرآن : ( كتاب أحكمت آياته ) ، وقال تعالى : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ، وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ) .
و- يرى المؤلف ” أن الخلفاء الراشدين كانوا يتعاملون مع القرآن بمنطق الفكر القرآني فلم ترهبهم النصوص القطعية متى صارت غير قادرة على معالجة المستجدات ، ورأينا – يقول المؤلف– أمثلة خطيرة ومقتدرة في (العمريات) التي أشرنا إلى بعضها، ولعل أخطرها كان رفض الخليفة عمر تطبيق نص تقسيم الغنائم رغم وروده بسند قطعي ودلالة قطعية، وطبقه رسول الله ، وأجمع المسلمون على تطبيقه في عهد أبي بكر ، إلا أن عمر اكتشف أن مستجدات حدتث في حجم ونوع الغنائم ، فقد ظهرت إمكانية أن تتحول شعوب بأكملها إلى أرقاء ، وأرض تلك الشعوب – وهي أراضي دول بأكملها- إلى غنائم يتقاسمها المقاتلون فيما بينهم ، لأنها فتحت عنوة ، فما كان من عمر إلا أن استبعد النص ، بل واستبدله بحكم آخر هو فرض الخراج على الأرض والجزية على الرؤوس ” .
فأشار إلى أن نص تقسيم الغنائم ورد بدلالة قطعية ولم يبينها . فإنه لا يُعلم أن شيئاً مما فتح من الأراضي عنوة قسم بين الغانمين إلا خيبر .. وسائر ما فتح عنوة لم يقسم منه شيء ، ففُهم من ذلك أن قولـه تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) لا يشمل الأراضي ، بل الإمام فيها مخير بين أن يقسمها بين الغانمين كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين أن يقفها لمصالح المسلمين ، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي بيده ، كما قال الله عز وجل :( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا،واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) و بها عمل عمر ، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها ، فقال : فاستوعبت هذه الآية الناس.
وإلى هذه الآية ذهب علي ، ومعاذ حين أشارا عليه بألا يقسمها .
ومما يدل على أن آية الغنيمة ليست قطعية الدلالة أنها لم تنص على قسمة الأخماس الأربعة الباقية .
فهذا الحكم من نوع الأحكام التي قيل إنها تتغير بحسب المصلحة ؛ فإن الأحكام الشرعية منها ما هو كذلك ، ومنها ثابت لا يتغير كوجوب الفرائض وتحريم الكبائر ، والحدود المقدرة ، والأحكام المعللة بعلل ثابتة لا تتغير كوجوب غض الرجال أبصارهم عن النظر إلى النساء الأجنبيات فإنه أزكى لهم وأطهر مطلقاً ، ولا يمكن أن يأتي وقت يكون فيه نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات أزكى لهم وأطهر … خلافاً للمؤلف الذي قال ص153 : ” إذن كيف يمكن متابعة النظر في جميع الأعمال التي تعرض في السينما أو التلفزيون أو الفيديو أو المسرح ، وجميعها تكشف عن حركة نساء جميلات وشباب يثيرون الافتتان ، وشابات يكشفن ليس فقط عن زينتهن بل عن أجزاء كبيرة محرمة من أجسادهن ، ولا أقصد هنا التعري المبتذل والمرفوض ، وإنما الملبس العادي للمرأة في هذا الزمان ، أي فستانها الذي يحدد معالم صدرها وعجزها ورجليها وشعرها ونحرها ويديها وزينة وجهها ” .
4 – معنى الوُسْع عند المؤلف ضيق جداً فليس في وسعه أن يمتنع عن النظر إلى المرأة وهي تؤدي (رقص الباليه ) ، وليس في وسعه أن ينهى نفسه عن الهوى …
وكل القواعد التي استنبطها المؤلف بمنطق الفكر القرآني قد قررها علماء أصول الفقه لكن معناها عندهم يختلف عن معناها عنده . وقد تفرد بقاعدة ( نسبية القيم والتكاليف ) واستدل عليها بالتدرج في تحريم شرب الخمر ،وبتعطيل إقامة حد السرقة في عام المجاعة ، وبمذهب عمر -رضي الله عنه- في قسمه الأرض المفتوحة عنوة ، ونحو ذلك مما لا يدل على النسبية لاختلاف الظروف والملابسات ، فالنسبية الحقيقية أن يختلف الحكم رغم اتحاد الظروف والملابسات لا أن يختلف باختلافها…
5 – قال المؤلف ص 65-66 :
” ولقد سبق أن رأينا كيف ترتبط قاعدة معيار صلاحية النصوص للتطبيق في اللغة بقاعدة لغوية شديدة الأهمية ، وهي أنه طالما ثبت بالنقل القطعي السند والدلالة أن كلمات اعتمدت كجزء من اللغة فإن هذه الكلمات تظل صالحة للاستعمال في كل زمان ومكان ، ولهذا فإننا حتى الآن نستخدم ذات كلمات التي كانت تستخدم في الجاهلية ، أسد ، حربة ، سيف ، يد ، لسان ، رأس ، حمار ، شعير ، لبن ، إبل ، إلى آخر ما يحتويه لسان العرب ، وكذلك نستخدم حتى نفس نحو اللغة الذي كان يستخدمه الأعرابي في بطن الصحراء قبل ألف وأربعمائة سنة .
في منطق الفكر أن القاعدة التي صيغت بالمسح العلمي للواقع ، واختبرت فأثبت جدواها ، فإن هذه الجدوى تكون رهينة بثبات الظروف التي تبلورت في ظلها القاعدة،ونحن نعلم أن ليست هناك ظروف ثابتة ، ولنأخذ مثلاً من المجال القانوني حيث لوحظ أنه في ظل دويلة المدينة التي كانت تتخلق أنه حدث أن ارتكبت جرائم متنوعة ، سرقة ، زنا ، قذف ، وأن الأمر كان يحتاج إلى وضع عقوبات لهذه الجرائم ، ولوحظ أن العرب واليهود الذين كانوا يشكلون سكان هذه الدويلة كانوا من قبل يعرفون عقوبات لهذه الجرائم ، منها قطع يد السارق ، ورجم الزاني، وجلد القاذف ، ولوحظ أيضاً أن دويلة المدينة لم تتطور إلى درجة إنشاء مؤسسات عقابية كما كان الحال في الإمبراطوريات المحيطة ، ولهذا لم تكن تعرف دويلة المدينة مؤسسة السجون ، بل ولم تكن تطيق تكلفتها المالية من مباني وحراسة مستمرة وطعام وكسوة ورعاية للسجناء ، ومن ثم كانت أنسب العقوبات في ظل هذه الظروف هي القطع والرجم والجلد خاصة و أنها عقوبات كانت تطبق في الغالب الأعم على الرقيق ،فالحرة تموت ولا تأكل من ثديها ، والحر يلحقه العار بل يلحق قبيلته أن سرق ، لأن الحر إذا احتاج للمال فعليه أن ينتزعه عنوة واقتداراً فهذا يجسد الشجاعة والإقدام والجرأة والجسارة التي كانت تتجسد في ممارسة الغزو ، ولهذا كان غصب المال عندهم من الفضائل التي يدبج فيها شعر المديح ،ولهذا ليس هناك “قطع” في الغصب رغم أنه أخطر وأكثر جسامة من السرقة ففيه غير غصب المال إذلال وإهانة وتحقير للمغصوب منه ، ولكنها البيئة الاجتماعية وحكمها ومنطق فكرها ؟!
ثم مرت سنوات بل مئات السنوات، وتعاقبت القرون ، وتبدلت الأحوال ، ولم يعد الزمان هو الزمان ،وتردد السؤال عن ما هي العقوبات التي نطبقها الآن ؟ وهل ما تزال عقوبات الماضي صحيحة ، أو ذات جدوى أو ملاءمة مع الزمان والمكان والوعي ؟ الذين قمعوا الفكر القرآني بمنطق اللغة كرروا مقولتهم بأن معيار صلاحية النصوص للتطبيق هو ورودها بسند قطعي ودلالة قطعية ، ولهذا صاحوا بأن هذه العقوبات وردت يسند ودلالة قطعية ،ولهذا فإنها صالحة لكل زمان ومكان ؟
أما الذين تعاملوا مع القرآن كفكر وليس كلغة فقط فإنهم قالوا إن منطق الفكر يتطلب أنه متى حدثت متغيرات ، ويلاحظ أن المتغيرات تحدث باستمرار أردنا أم لم نرد لأن الحركة كائنة في بنية المجتمع والطبيعة والبيئة ؛ أنه متى شاهدنا المتغيرات فإنه يجب أن يعاد اختبار صحة صلاحية القاعدة والواقع يشهد بأن العالم لم يعد العالم ، وأن الدنيا كلها تغيرت ، ولهذا فلابد من وضع هذه المتغيرات في الحسبان عندما نجري المسح العلمي بجمع الملاحظات والمعطيات ، وعلينا أن نضع الفروض الأحسن التي نخضعها للتجربة بمعيار القابلية للكذب ، فالعقل الإنساني يفترض الآن بعد أن اكتشف الإنسان سبب انحراف الفرد وكيف تتضافر ظروف من وراثة وبيئة وأسرة ومجتمع وتربية وأمراض في خلق المجرم ، وأن عقوبات الانتقام والتشفي وتسبيب الألم والمماثلة المتجسدة في عقوبات الجلد والقطع والرجم والقصاص لم تعد عقوبات صحيحة ،وأن الفرض الأكثر جدوى هو محاولة عزل المنحرف ،وكذلك محاولة علاجه وإصلاحه ، وما يزال منطق العلم يبحث عما يكذب هذا الفرض ويوحي بفروض أحسن .
ثم إن قدرات المجتمعات تطورت لدرجة مكنتها من بناء مؤسسات لعزل المنحرفين ولعلاجهم وإصلاحهم، ولهذا أعلن البشر ليس فقط إلغاء هذه العقوبات السابقة بل ودمَغها بأنها عقوبات لا إنسانية وقاسية ووحشية وحاطَّة بالكرامة ومهينة وسجل كل ذلك في المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .” أهـ كلامه
فإذا كانت العقوبات الواردة في القرآن الكريم على هذه الصفة ، فلماذا شرعت ؟! – حتى إن كانت تطبق في الغالب الأعم على الرقيق كما يزعم المؤلف – ، وهل يجوز العمل بها إن كانت هناك (دويلة ) الآن لا تطيق تكلفة السجون المالية لفقرها ؟
ولماذا لم يبين القرآن أن العقوبات التي جاء بها ليست مطلقة ، وأن السجن أنسب منها إذا أمكن …؟
وهل من العدل أن تكون عقوبة المجرم أخف من جنايته ؟
أو لستَ – أيها المؤلف – ترى أن الإنسان يتحمل مسؤولية أعماله كاملة ، فما بالك تشرك الظروف هنا ، وتحملها جزءاً من المسؤولية بل الجزء الأكبر ..؟!
وهكذا يحاكم المؤلف النصوص القرآنية بفكره واصفاً إياه بالفكر القرآني ، فالفكر القرآني هو فكر المؤلف ؛ لا فرق بينهما. بل لا فرق بين الفكر القرآني وفكر أي إنسان ، ” فالقرآن كفكر مثله مثل أي فكر له منطقه الذي لا يختلف في عمومياته عن منطق أي فكر ” .
والحقيقة أن الشريعة عند المؤلف هي العقل ، عقل كل إنسان ، ولذلك جعل عنوان الباب الأخير من كتابه ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) .
أحدث التعليقات