Posts tagged ‘توظيف المحرم ، سليمان حريتاني’
توظيف المتشابهات والربائب الفكرية
توظيف المتشابهات والربائب الفكرية
فؤاد بن عبده أبو الغيث
يرى بعض الناس أن ما بأيديهم من المال هو ملك مطلق لهم وليس لأحد فيه حق ؛ لأنه من كسبهم وحدهم إذ لم يُعِنْهم عليه أحد ، ونسوا أن خالقهم وخالق كل شيء قد جعلهم مستخلفين في ماله ، وأنه قد أعانهم على كسبه بما وهبهم من عقل وقدرة ، وبما سخره لهم من أسباب …
وممن جحد هذه الحقائق قوم شعيب عليه السلام ، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في القرآن العظيم حيث قال : ( وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط . ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ . قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) [سورة هود: 84-87] .
لقد قَيَّد المالك سبحانه وتعالى حرية التصرف في المال بضوابط يُقِرُّ العقل بحسنها ، كيف لا وقد شرعها الحكيم العليم سبحانه وتعالى ؟! وأصول هذه الضوابط :
- الصدق والأمانة .
- ومنع الظلم .
- ومنع الغرر ( ويدخل فيه الجهالة والميسر ) .
- ومنع الربا .
- وسد الذريعة إلى المحرم .
لكن القوم سخروا من رسول الله الذي جاءهم بالهدى من عند الله ، فقالوا مستهزئين : أصلاتك وقرآنك يأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نترك التصرف بأموالنا بما نرضاه وبما يحلو لنا فعله من إنقاص المكيال والميزان والبخس في البيع والقرض ونحوهما .
ولايزال في الناس من يقول لا تباع الرسل : أقرآنكم يأمركم بتقييد حريات الناس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية … إن الله قدرة مطلقة ( يعنون أنه ليس له صفات كالإرادة والعلم والحكمة …) وهو لا يتدخل في شؤون البشر ؛ فلا يأمر ولا ينهى .
وهذا أهم أسباب الضلال وأخطرها – أعني – فساد العقيدة في الله تعالى ، ثم سوء القصد واتباع الهوى ، يقول بعضهم : ( وُجد المحرم بداية ليحد من العنف ؛ العنف الذي ينشب بين الأفراد ، حول شيء ما ، كلٌ يريده لنفسه ، هكذا جاء التحريم الجنسي بين الأقارب ليوقف الاقتتال بين الرجال في القبيلة .
وكل خرق لهذا التحريم يعد إثماً ويتطلب عقاباً قاسياً ، تنوعت أساليبه في المجتمعات البدائية . وحين خرج مجتمع الدولة من رحم مجتمع القبيلة ، تطور المحرم وأسبغت عليه صفات المقدس لتـُلْحق بمنتهكه لعنة المقدس وعقابه ، عقابه ، الذي يتطلب لتنفيذه قَيِّماً على الأرض .
تنوع المحرم ليدخل في مناح عديدة من حياة المجتمع وسلوكه ليُشَكِّل منظومة من الأوامر والنواهي تطال العلاقة بين الناس والمقدس من جهة وعلاقة الناس فيما بينهم ، ضمن إطار عام يشمل الحقوق الواجبات يُسبب عدم الالتزام بها إساءةً تستوجب غضب الله وعقابه .
وكانت غاية المحرم من ذلك منح الأمن والسلام للمجتمع كي يتفرغ أبناؤه إلى بناء وتطوير حياة غنية وسعيدة .
لكن المحرم قد ينقلب إلى النقيض ويصبح كابوساً مرعباً يُدخل المجتمع في دائرة عنف أشد . وذلك حين تختلط نصوص محرم المقدس بنصوص السلطان والفئة المتحكمة الهادفة إلى تغييب نصوص المقدس لتحل محلها أو لتتداخل معها ، حسب الحاجة ، وتُغَيِّب حينئذ المجتمع برمته ) .
ويتساءل الدكتور سليمان حريتاني في كتابه ( توظيف المُحَرَّم ) : ( كيف جرى تصنيع النص المزيف وحل محل النص المقدس أو تداخل معه ، وكيف وُظِّف المحرم ليخدم مآرب خاصة ، اكتوى بها المجتمع منذ زمن بعيد وما يزال ؟! )
والكتاب المذكور يتناول الإجابة على هذه الأسئلة ، والإجابة كالمعتاد أن القرآن لم يقصد أن تكون أحكامه ثابتة ، وأن معظم الأحاديث النبوية منتحلة ، وأنه إذا تعارض حكم النقل وحكم العقل قُدِّم حكم العقل …
إن قضية توظيف المحرم مسرحية مفتعلة وأسطورة محبوكة يقابلها في الحقيقة ( توظيف المتشابهات والخلاف والأوهام ) إتباعاً للهوى .
ولكل قوم وقول وارث ، فيبدو أن أصحاب نظرية ( توظيف المحرم ) قد ورثوها عن أولئك الذين قالوا : ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) [سورة النمل : 56] أي يتحرجون من فعل ما تفعلونه ومن إقراركم على صنيعكم ؛ فأخرجوهم من بين أظهركم ، فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم ، وقالوا لنبيهم لوط عليه السلام : ( أولم ننهك عن العالمين ) [سورة الحجر : 70] أي أ وَ ما نهيناك أن تضيف أحداً ؟! وكانوا نهوه أن يضيف رجلاً ، فقالوا : خل عنا فلنضيف الرجال ( ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) .
فهم يرون أنهم يمارسون ( حقاً طبيعياً ) بالنسبة لهم ، وأن التحرج من فعل ما يفعلونه هو ( اختيار شخصي ) لا يصح فرضه وتعميمه ، كما أنهم لا يعتقدون أن الله يشرع شيئاً خلاف الطبيعة …
ومن ثمارهم تعرفونهم ؛ فاهتمامات صاحب كتاب ( توظيف المحرم ) تدور حول ما يُعْرَفُ بـ( الحق الطبيعي ) و ( التمرد والاغتراب ) وتتمثل في الخمرة والقِيان وظاهرة انتشار الحانات ومجالس الشراب وأندية ومنازل المقينين في المجتمع العربي الإسلامي !!
ثم يصدر نفر من مثقفي البلاد المحافظة عن مثل هذه الموارد الآسنة ، ويرجعون إلى مجتمعاتهم بتلك الربائب الفكرية التي أمليت عليهم ؛ وليس عندهم من العلم الشرعي ما يكشف لهم عن معارضتها للحق الذي جاءت به الرسل من عند خالق العقل العليم الحكيم فلا يمكن أن تتعارض آياته الشرعية مع آياته الكونية الطبيعية القدرية …
ومما سبق يتبين أنه يصعب التأريخ لنشأة الأفكار ، فكثير من الأفكار والمذاهب التي يُظَنَُ أنها جديدة قد تناسلت وتطورت عن أصول قديمة ، وفي هذا رد على من ينكر دراسة الفرق والمذاهب القديمة ، بل ذلك من حِكَم القصص في القرآن الكريم .
قال ابن تيمية : ولا ينبغي للإنسان أنْ يَعْجَب فما من شيء يُتَخَيَّل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس .
أحدث التعليقات