Posts tagged ‘حقوق الزوجة ، الزوج ، الزوجية ، العشرة الزوجية ، المعاشرة بالمعرف’
حق الزوجة على زوجها
قال الله تعالى في الآية التاسعة عشرة من سورة النساء : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) .
يعني جل ثناؤه بقوله : وعاشروهن بالمعروف ، وخالقوا ، أيها الرجال ، نساءكم وصاحبوهن بالمعروف ، يعني بما أمرتكم به من المصاحبة ، وذلك : بتوفية حقها من المهر والنفقة والكسوة ونحو ذلك ، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في الزمان والمكان ، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال .
وبتطييب القول لها ، فلا يكون فظا ولا غليظا ، وقد قيل : المرأة تسمن من أذنها .
وبتحسين الفعل والهيئة بحسب القدرة ، وإدخال السرور عليها ، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، ولا يظهر ميلا إلى غيرها .
وأن يحتمل أذاها ، ولا يحملها من كلف خدمته ما يتعبها ،
كما يحب ذلك كله منها ، فيفعل بها مثله ، كما قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [البقرة:228] فإن ذلك أهدأ للنفس وأهنأ للعيش .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي ” ، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ ، يُداعِبُ أهلَه ، ويَتَلَطَّفُ بهم ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته ، ويُضاحِك نساءَه ، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك . قالت : سَابَقَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَبَقْتُهُ ، وذلك قبل أن أحملَ اللحم ، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني ، فقال : ” هذِهِ بتلْك ” ، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها . وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد ، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار ، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلا قبل أن ينام ، يُؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [الأحزاب: 21] .
وقوله تعالى : ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) .
قوله تعالى: ( فإن كرهتموهن ) لِعَيْبٍ في أخلاقهن أو خَلْقهن ، أو لتقصير في العمل والواجب عليهن كخدمة البيت وغير ذلك ؛ أو لميل منكم إلى غيرهن ، من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز ؛ فاصبروا و لاتَعْجلوا بمفارقتهن ، فإن كراهة الأنفس للشيء لا تدل على انتفاء الخير منه ، كما قال تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ) ، ولعل ما كرهت النفس يكون أصلح في الدين وأحمد في العاقبة ، وما أحبته يكون بضد ذلك . ولا تحملكم الكراهة على سوء المعاشرة ؛
( فَعَسَى ) أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة ، وتبدلها بالمحبة ، فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة ، وحصول الأولاد ، فيكون الجزاء على هذا محذوفاً مدلولاً عليه بعلته … وانظر إلى فصاحة فعسى أن تكرهوا شيئاً ، حيث علّق الكراهة بلفظ شيء الشامل شمول البدل ، ولم يعلق الكراهة بضميرهن ، فكان يكون فعسى أن تكرهوهن .
والضمير في فيه عائد على شيء أي : ويجعل الله في ذلك الشيء المكروه ؛ وقيل: عائد على الكره وهو المصدر المفهوم من الفعل .
وقيل : عائد على الصبر .
ولذلك اختلفت عبارات المفسرين في معنى الآية ؛ فقيل : المعنى أنكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعَسَى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن ؛ فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة ، كما قال ابن عباس في هذه الآية : هو أن يَعْطف عليها ، فيرزقَ منها ولدًا . ويكون في ذلك الولد خير كثير ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر” أو قال : ” غيره ” . المعنى: أي لا ينبغي له أن يبغضها بغضا كليًا يحمله على فراقها. بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقلّ أن ترى متعاشرين يرضى كل واحد منهما جميع خلق الآخر ، ويقال : ما تعاشر اثنان إلا وأحدهما يتغاضى عن الآخر ، وأنشدوا في هذا المعنى :
ومن لا يغمض عينه عن صديقه … وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهداً كل عثــرة … يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
وهذا التفسير على سبيل التمثيل لا الحصر ؛ فقد يفسر من قال بأن الضمير في قوله ( فيه ) يعود إلى الصبر على الصحبة : الخير الكثير : تارة بولد نجيب يحصل ، أو مال كثير لليمن في صحبتها ؛ فتنقلب الكراهة محبة ، والنفرة رغبة ، وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم تحمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله ، وأنفق عليها وأحسن إليها على خلاف الطبع ، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل بحسن الوفاء وكرم الخلق في الدنيا .
وقيل : المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن ، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرًا كثيرًا ، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيراً منه ، أو أوفق منه . ولذلك جاء بعده : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) .
وقيل : معنى الآية : ويجعل الله في فراقكم لهنّ خيراً كثيراً لكم ولهن ، كقوله : ( وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته ) ، وهذا القول بعيد من سياق الآية ، ومما يدل عليه ما قبلها وما بعدها .
وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور ؛ فإن كان لا بد من الفراق ، وليس للإمساك محل ، فليس الإمساك بلازم .
أحدث التعليقات