Posts tagged ‘مشاري الذايدي ، التخلف ، التقدم’
حقيقة التخلف
حقيقة التخلف
فؤاد بن عبده أبوالغيث
كتب أحدهم في صفحة الثقافة والفن بجريدة المدينة (يوم الجمعة 8 ربيع الأول 1424هـ) مقالاً بعنوان “مرونة التخلف!” ذكر فيه : (أننا أمة متخلفة بكل المقاييس ) واستشهد على ذلك بـ( اقتصادنا العربي البالي غير المتأسس على قواعد راسخة ودائمة ) ، وبـ(انعدام حضورنا العلمي والفكري) ، وبـ(فقدان الحركة السياسية الذاهبة في اتجاه مفيد)، ولم يذكر الدين والأخلاق والنظام الاجتماعي، وهذا يعني أحد أمرين ؛ إما أنها مشمولة بقوله (بكل المقاييس ) فتكون الأمة متخلفة أيضاً دينياً وأخلاقياً واجتماعياً، وهذا ليس بصحيح، فالأمة في أصل دينها على الحق المطلق،وغيرها على الباطل،كما قال الله تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [سورة آل عمران:85] ، وأما في واقعها الأخلاقي والاجتماعي ؛ فإن لم تكن متقدمة على غيرها فليست بمتخلفة عنها .
الاحتمال الثاني : أن لا يكون الدين والأخلاق والنظام الاجتماعي من مقاييس التقدم والتخلف ، وهذا يخالف مصطلح الحضارة الذي يتمثل في إحراز التقدم في ميادين الحياة والعلاقات الاجتماعية ، وفي مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي التي تنتقل في المجتمع من جيل إلى جيل . بل لا يصح أن يوصف بالتقدم والتنور مطلقاً من لا يعرف مَنْ خلقه ، ولا لماذا خلقه أو ما أصله وما علاقته بغيره من الذوات أو المعاني على الحقيقة ؟!
ثم قال كاتب المقال : (هزم النموذج العربي السياسي في إحدى تجلياته الحديثة ، فأيدولوجيا البعث العربي هي أحدث الأيدولوجيات العربية التي تنطحت لوضع الجواب على سؤال التخلف وباشرت تنفيذه، ثم حصدت الخيبة صبيحة التاسع من إبريل !
نفس الشيء ينطبق على بقية الأيدولوجيات العريية المعاصرة وعلى رأسها الأيدولوجيات الإسلاموية، فكلها إما فشلت فشلاً ذريعاً “طالبان ، السودان ، الجزائر ، مصر” أوفي طريقها لذلك”إيران التي تتململ من الملالي وتطلب العلمانية” ، وعليه فلا معنى أن نصدق أن إسلاميين آخرين سيفلحون فيما عجز عنه إسلاميون قبلهم حصدوا الخيبات وجلبوا الأزمات لمجتمعاتهم وبلدانهم ، إلا إذا كنا سنصدق أن بعث سوريا سيفلح في توحيد الأمة العربية حينما أخفق بعث العراق!) .
ومراد الكاتب بالإسلاميين -كما قال في برنامج إضاءات الذي ينتجه راديو mbc -: ( أصحاب الإسلام السياسي أو المحزب) أي أنه لا يعني بالإسلاميين المسلمين أو المتدينين كما صرح بذلك في هذا البرنامج، وإنما يعني الذين يستخدمون الدين لأغراض سياسية ، ولكن كيف يمكن التمييز بين من يستخدم الدين لأغراض سياسية ومن يستعمل السياسة الشرعية أو يعمل في السياسة بما لا يخالف الدين ؟! أم أنه لا يتصور أن يُعمل في السياسة بما لا يخالف الدين ؛ لاختلاف طبيعة السياسة عن طبيعة الدين ، حيث إن السياسة متغيرة والدين ثابت؟! كما قال زميله في البرنامج ، رغم أنه ينتمي إلى دولة قامت على أساس الدين والحكم بما أنزل الله ، ولم تعمد إلى الفصل بين الدين والسياسة أساساً ، وقد نجحت في تحقيق الأمن والتنمية رغم التحديات التي تواجهها …
لنعد إلى مقالة الكاتب حيث قال في بيان معنى “مرونة التخلف” : (فدائماً هناك خطأ خارجي ، وخلل في التطبيق حال دون تحقق الوعود التي بشرت بها هذه الأيدولوجيا ، أما الأيدولوجيا نفسها فهي في منأى عن كل الأسئلة )، يفهم من هذا أنه أحياناً وليس دائماً يكون هذا التبرير صادقاً ، ولا نعلم إن كان يوافق على هذا المفهوم أم لا ؟ وعلى أية حال فإن هذا المفهوم حق بلا شك ؛ لقول الله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) [سورة النور:55] . قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الآية : ( هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ، أي : أئمة الناس والولاة عليهم ، و بهم تصلح البلاد ،وتخضع لهم العباد، وليبدلن بعد خوفهم من الناس أمنا ًوحكماً فيهم ، وقد فعل الله تبارك وتعالى ذلك ، وله الحمد والمنة …إلى أن قال : فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، فنسأل الله الإيمان به ، وبرسوله ، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا.
ثم قال : وقوله (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) أي : فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك ، فقد فسق عن أمر ربه، وكفى بذلك ذنباً عظيماً ، فالصحابة رضي الله عنهم لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأوامر الله عز وجل وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم ، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب ، وأيدهم تأييداً عظيماً ، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قصَّر الناس بعدهم في بعض الأمر ، نقص ظهورهم بحسبهم ، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة ” ، وفي رواية ” حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ” وفي رواية ” حتى يقاتلوا الدجال ” ، وفي رواية ” حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون ” ، وكل هذه الروايات صحيحة ، ولا تعارض بينها ).
وقد مثَّل الكاتب بنماذج من الأجوبة الدالة على مرونة التخلف ، ومنها ما عبَّر عنه بقوله: (ما حصل في العراق بسبب بعد الأمة عن تطبيق الشريعة ” وفق تعريف الحركيين ” فإذن يجب التوكيد على تطبيق الشريعة وبالمطالبة بالمزيد منها، وطبعاً من سيسهر على تطبيقها ويراعي جودتها هم الإسلاميون أنفسهم!).
والظاهر أن المشكلة في هذا التعليل أيضاً هي ( تعريف الحركيين لتطبيق الشريعة ) وليس تطبيق الشريعة بحد ذاته ، ولكن ما تعريف الحركيين لتطبيق الشريعة ، وما وجه الخطأ فيه ، وما التعريف السليم لتطبيق الشريعة وما أثره – إن كان مفهوماً مقبولاً من حيث المبدأ – ؟! لا يوجد في المقال ما يجيب على هذه الأسئلة رغم أهميتها ، فكيف سيُفهم المقال وفيه إطلاقات مُبَطَّنة وعموميات (كثيرة) ليست على ظاهرها؟!
ومما يوضح رأي الكاتب في ذلك – إلى حد ما – ما قاله في البرنامج الإذاعي المشار إليه فيما سبق – حيث قال : (من يُطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية ، توقفه وتسأله : ماذا تقصد بالشريعة الإسلامية ؟ فلا يحير جواباً ).
فقال له مقدم البرنامج : يقول لك : أقصد الكتاب والسنة ، فقال :( الجميع يقول الكتاب والسنة … بعض التشريعات التي تتهم بأنها وضعية تجد لها تخريجاً فقهياً …) .
فماذا عن بعض التشريعات التي لا يوجد لها تخريج فقهي ؟ وهل كل تخريج يكون مقبولاً؟ وما الضوابط لذلك ؟ هل يقبل التخريج من كل أحد؟ …
ومما قاله كاتب المقال في ذلك البرنامج: ( نحن ملزمون بقطعي الثبوت وقطعي الدلالة ) وهذا الرأي نفسه لا يوجد دليل قطعي الثبوت وقطعي الدلالة يدل عليه فنحن لسنا ملزمين به أيضاً، على أن القطع مسألة نسبية ، فالمشكلة التي يراد حلها بهذا الكلام لا تزال قائمة …وهكذا قوله : ( وأن الالتفات للإنسان الفرد ومنحه حقه الطبيعي في التعلم والتنور وكل حقوق الإنسان الكريم الحر هي نفطة الارتكاز لكل بناء يتوخى إعادة القطار الجانح إلى الطريق !) فلم يتفق الناس على نقطة الارتكاز هذه؛ حيث اختلفوا في حقوق الإنسان الكريم الحر؛ هل من حق الإنسان أن يمارس الجنس مع إنسان من الجنس نفسه (الجنسية المثلية)؟ وهل من حق الرجل أن يمارس الجنس مع أخته ؟ وهل من حق الإنسان أن يُغيب عقله ؟ وهل من حقه أن يُنهي حياته ؟ …كما اختلفوا في فلسفة الأخلاق أصلاً ..
ومما قاله الكاتب في البرنامج الإذاعي : ( من يتحدث عن مفهوم الولاء والبراء ؛ امتحنه بالأمثلة والتفاصيل كيلا نضيع في الشعارات والعموميات ، فأسأله : هل تريدني أن أتحارب مع العالم أجمع وألزم تفسيرك ومواصفاتك الدقيقة حتى أكون مسلماً حقيقياً ؟!) إذن فمواقف الكاتب عبارة عن ردود أفعال لأفعال معينة ، إذ لا يلزم من مفهوم الولاء و البراء محاربة العالم أجمع ولا الالتزام بتفسير معين للإسلام لكن لا يخالف ما فهمه السلف الصالح خاصة الصحابة رضوان الله عليهم لأنهم قد شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله ، كما عرفوا أحــوال من نزل فيهم القرآن مع سلامة مقاصدهم وحسـن فهومهم ورسوخهم في العلم ، كما أنهم أعلم الناس باللغة ومقتضياتها …
أما حقيقة الولاء و البراء الشرعية فهي محبة الله عزوجل ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم و دينه ونصرتهم ، وكراهية أعداء الله وأعداء دينه ومحاربة من يحارب دينه وأولياءه ، كما قال الله تعالى : ( يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون) [سورة المائدة:57-59] ، وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل* إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير* قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين آمنوا معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده …)[سورة الممتحنة :1-4] و مع ذلك ؛ قال : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) [سورة الممتحنة:8-9].
فمفهوم الولاء و البراء لم يصكه بعض الفقهاء كما قال الكاتب في ذلك اللقاء الإذاعي ، بل هو مفهوم شرعي لا خلاف فيه من حيث الأصل ، أما التفاصيل والتطبيقات فقد وقع فيها خلاف وأخطاء ؛ يجب عرضها وامتحانها بالعلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح ، وليس بالعواطف والمبالغات و(صك مفاهيم : “مرونة التخلف” و”الإسلاموية” و “نجوم الكاسيت” ) .
وقد ختم الكاتب مقالته بـ(كلمة للصخابين العرب من قوميين ويساريين وإسلاميين) فقال:( توقفوا عن الضجيج ، لقد منحناكم أكثر من نصف قرن للنجاح ، فأخفقتم ، فأعتقوا الشعوب العربية من مخدراتكم الفكرية وتواضعوا ، حتى لا تطول المأساة ونؤخر لحظة البناء التي طال انتظارها ).
ولا ندري إلى من يعود ضمير الفاعلين في قوله ( لقد منحناكم ) ، وما مشروعهم ؟!
إن قيل : ضمير الفاعلين يعود على سائر الأمة ماعدا المخاطبين ؛ فإن ذلك يشمل أهل السنة والجماعة ، وهم من كان على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن أهل السنة والجماعة لا يحتاجون إلى منح من لا يحكم بما أنزل الله وقتاً حتى يعلموا هل سينجح أم سيخفق ؟؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )[سورة المائدة:45] ، وقال: ( إنه لا يفلح الظالمون )[سورة الأنعام: 21] .
إذن ضمير الفاعلين في كلمة الكاتب يعود على أناس ليسوا من أهل السنة والجماعة ، فهم حزبيون أيضاً؛ لا يجوز اتباعهم ،كما أوصى الله عزوجل بذلك في قوله: ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) [سورة الأنعام:153] ، وقال: ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً * كل حزب بما لديهم فرحون )[سورة الروم:31-32] ، وقال مخاطباً رسوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) [سورة الأنعام:159] ، وقال: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) [سورة الشورى:13] ، وقال: ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [سورة هود:118-119] ، وهذه الآية من الشواهد على صحة الحديث المشهور الذي رواه أبوداود وغيره عن رسول الله وصلى الله عليه وسلم أنه قال : ” ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة ” ، والجماعة : من كان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أي زمان ومكان. ومنهم على سبيل المثال : الأئمة الأربعة وأتباعهم بإحسان ، وابن تيمية ، وابن القيم ، ومحمد بن عبدالوهاب ومدرسته ( أئمة الدعوة في نجد ) ، وابن باز ، وابن عثيمين ، وسائر هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، والألباني ومدرسته … أحسبهم و لا أزكي على الله أحداً .
أحدث التعليقات