Posts tagged ‘نجيب عصام يماني ، العورة ، حجاب المرأة ، كشف الوجه’
الرد على مقال نجيب اليماني ” العورة غير “
الرد على مقال نجيب اليماني ” العورة غير “
فؤاد بن عبده أبو الغيث
كتب نجيب بن عصام اليماني مقالة بعنوان العورة غير ؛ قال فيها : إن وصف وجه المرأة بالعورة – هو في الحقيقة – أمر مستقبح في شرع الله ، فقد عرّف البهوتي في (الكشّاف) العورة بأنها لغةً النقصان والشيء المستقبح والعورة سوأة الإنسان أي قبله ودبره وكل ما يستحي منه. ومعنى ستر العورة أي تغطية ما يقبح ظهوره ويستحي منه من ذكر وأنثى حر أو غيره. والعورة إذا ذكرت انطلق المعنى إلى القبل والدبر، يقول تعالى : ( فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ) . فإطلاق لفظ العورة على وجه المرأة فيه معان مستقبحة لا تستقيم مع العقل الذي ميّز الله به الإنسان وفضّله به على سائر المخلوقات ولا النقل من النصوص . فالوجه هو أكرم ما خلق الله في الإنسان … ويأتي من يقول عن هذا الوجه الذي كرّمه الله وخلقه على صورته أنه عورة يجب أن يُغطّى ويُستر ويضعه في وعاء واحد مع القبل والدبر المستقبح كشفهما طبعاً وشرعاً… وهل من العقل والمنطق أن يتعبّد الله خلقه بكشف عوراتهم، أم هل تستقبل المرأة ربها في صلاتها وعلى وجهها حجاب يخفيه ؟ انتهى كلامه .
لكن وصف وجه المرأة في شرع الله عز وجل ليس بهذا المعنى ؛ فقد روى الترمذي – في كتاب الرضاع من السنن برقم (1169) – وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( المرأة عورة , فإذا خرجت استشرفها الشيطان ) قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب , ورواه ابن خزيمة – في صحيحه : باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد ( 3 / 93 ) – بزيادة ( وأقرب ما تكون من وجه ربها ، وهي في قعر بيتها ) ، وقد خرجه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ( رقم 273) وصححه … والمعنى أنها إذا ظهرَت يُسْتَحْيا منها كما يُسْتَحْيا من العَورة إذا ظَهرَت، كما قال ابن الأثير في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر . كما أن معنى العورة في لسان العرب أعم مما ذكر فهي تشمل بالإضافة إلى ما اقتصر عليه : كل أمر يستحيا منه إذا ظهر ، وكل خَلَل يُتَخَوَّف منه الأذى والضرر . والعورة في الشرع ليست نوعاً واحداً ولا معنى واحداً . بل هي أنواع تجمعها مشروعية الستر لها ؛ وهي :
1- عورة النظر ، وهذه يجب سترها عن الأنظار .
2- عورة اللمس ، وهذه قد يجوز كشفها ، لكن يستحب سترها ، ولا يجوز لمسها كفخذ الرجل .
3- عورة الصلاة ، وهذه نوع خاص له أحكام خاصة ، ليست مرتبطة بعورة النظر لا طرداً ولا عكساً ، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (22/114-115) .
وجاء في المصباح المنير : (( كل شيء يستره الإنسان أنفة وحياء فهو عورة ، والنساء عورة …)) ، وغيرة محرم المرأة عليها غريزة ، كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . والغيرة هي الحمية والأنفة ، ويقال عن المرأة : إنها حرمة ؛ لأنها لا تقبل الشركة ؛ فهي ليست متاعاً مشاعاً مبتذلاً بل شقيقة مكنونة ؛ فهذه هي أسباب سترها وتسترها ، وهي معنى الحديث ، ومعنى وصف وجه المرأة بأنه عورة ، وإلا فالمرأة في الحقيقة زينة مشتهاة بالطبع ، وليست عيبة أو شيئًا مستقبحًا ..
ومما قاله الكاتب : لقد أجمع الفقهاء على أنه يجب على المرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها وحجّتها وعمرتها وتأثم إن هي غطّتهما وعليها كفّارة . ويجاب عن هذا بأن هذه حكاية غير دقيقة فلم يجمع الفقهاء على أنه يجب على المرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها وحجّتها وعمرتها خاصة إذا كان أجنبي بقربها ، قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود : نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب ، وأن تلبس القفازين ، دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل، لا كرأسه ، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ، ولا يحرم عليها سترة بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين . فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها ، ومنعها من القفازين والنقاب ، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها ، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان ، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه ، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام ، إلا النهي عن النقاب ، وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله . وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة ، وقالت عائشة: “كانت الركبان يمرون بنا ، ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفنا ” ذكره أبو داود .
قال الكاتب : اتفقت كافة المذاهب الممثلة في هيئة كبار العلماء في هيكلها الجديد بأن وجه المرأة جائز كشفه . وهذا نقل غير دقيق أيضًا فلم يطلق أحد ذلك ؛ فقد حرمه كثير من أهل العلم ، وقيده بعضهم بأحوال معينة كحال الصلاة وحال الحاجة ، وقيده بعضهم بأمن الفتنة ، وقيده بعضهم بما لم تخش أن يصيبها مكروه من بعض الرجال الفساق إذا كشفته …
ثم قال الكاتب مستشهدًا : يقول ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) ، أي رقعة الوجه والكفين ، ويعلّق الألباني أنه إسناد صحيح لا يضعّفه إلاّ جاهل أو مغالط . وقول ابن عباس رضي الله عنهما هذا ليس تفسيرًا للمستثنى من الزينة التي نهى الله عز وجل المرأة عن إبدائها ، كما يتوهم الكاتب ، بل هو تفسير للزينة التي نهى الله عز وجل المرأة عن إبدائها ، كما رجح ذلك مبينًا صاحب كتاب الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم في تفسير آيات الحجاب : رواية ودراية .
وقول الكاتب : فالمرأة كإنسانة لها حق العمل والمعاملة بيعاً وشراءً وأخذاً وعطاءً ولا بد لكفّيها ووجهها أن يكونا مكشوفين حتى تستطيع أن تمارس حقها ولا يكون للممانعين في رفضها عملها …
لا يُسَلَّم فإن العمل والمعاملة بيعاً وشراءً وأخذاً وعطاءً لا يقتضي إظهار الوجه والكفين ؛ فيكفي لضرورة حركتها ظهور العين إذا كانت لا ترى من وراء غطاء الوجه الذي هو مجمع زينتها ، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما نحو هذا المعنى … وقد رأينا المرأة تبيع وتشتري في سوق البدو وهي مغطية وجهها ، ورأينا الممرضات والطبيبات في المستشفيات يعالجن المرضى وهن متنقبات ، والنظر إلى الوجه أعظم ما قد يفضي إلى الشهوة واللذة وتنتفي به زكاة القلب وطهارته ؛ فلا يجوز إبداؤه إلا لحاجة راجحة ؛ مثل نظر الخاطب والطبيب ونحوهما ، لكن مع عدم الشهوة ، وليست الحاجة إلى إبداء الوجه عند مزاولة الأشياء والاشتغال بالمهنة إذا كانت المرأة بحيث يراها أجنبي ، والبيع والشراء ، والأخذ والعطاء بين الرجل والمرأة ؛ راجحة على المفسدة التي تقتضي تحريم إبدائه ، والمشقة في ستره عند هذه الأحوال يسيرة محتملة بالنسبة إلى المصلحة في ذلك …
وكذلك قوله : وطالما أن هناك ترجيحاً بالكثرة والأغلبية فهي حجّة عقلية بل هو الأصل في حجّية الإجماع كما ذكره القرافي والآمدي والغزالي والشوكاني . لا يسلم ؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يثبت بالإحصاء الدقيق رأي الأغلبية من أهل العلم ، وقد قال صاحب كتاب الاستيعاب فيما قيل في الحجاب : إن علماء المسلمين أفردوا موضوع الحجاب بمؤلفات كثيرة ؛ بلغ ما وقفت عليه منها ما يزيد على ثلاثمائة كتاب ؛ اتفقت كلها على تحريم السفور ووجوب الحجاب . كما جمع أحد الباحثين أسماء القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها من غير النجديين – من المتأخرين – فبلغ عددهم ستة وستين ، وخلص باحث آخر في بحث بعنوان الدلالة المحكمة لآيات الحجاب على وجوب غطاء الوجه إلى وقوع الإجماع على التغطية حال الفتنة ، والإجماع العملي في منع خروج النساء سافرات . على أن الترجيح بالأغلبية ليس على إطلاقه ، وإنما يكون إذا تساوت الأدلة في القوة ، والأدلة هنا ليست كذلك …
وهل نصدق ما قاله الكاتب : إن القول بعورة وجه المرأة لا يصح أن يُقال ويُردّد من منابر الإعلام ، ولا يتفق مع تاريخ المرأة الإسلامي من أيام النبوة وحتى العهد الذي فرض على المرأة فيه الحجاب . أم ما قاله جمع من العلماء ؛ منهم أبو حامد الغزالي الذي عاش في الشام والعراق ، في القرن الخامس (توفي 505هـ)، والذي قال في كتابه : (إحياء علوم الدين) : “ولم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه ، والنساء يخرجن منتقبات ” ؟!
أحدث التعليقات